الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

80

نفحات القرآن

وقد حدث مراراً أن تهب الأعاصير وتحمل الحصى والرمال إلى السماء وتلقيها في نقاط أخرى ، وقد تطمر تحتها قافلة بأكملها . اللَّه الذي يأمر الأمواج في البحار - إذن - قادر على أن يتّخذ من الأعاصير والزلازل في الصحارى جنوداً يهلك بهم الفاسدين . ويتبع هذه الآية جواب آخر حيث يقول : « أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعيْدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرى فَيُرسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً » . ( الإسراء / 69 ) أي أنّكم تظنّون أنّ هذه هي رحلتكم البحرية الأخيرة ؟ إنّه خطأ كبير . إقرار المشركين : وتتضمّن الآية الخامسة حتّى التاسعة من آيات البحث حديثاً حول هذا المضمون : « وَلَئِنْ سَأَلتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأَرضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَليمُ » . وأيضاً : « وَلَئِنْ سَأَلتَهُمْ مَّنْ خَلَقَهُم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ » . وأيضاً : « قُلْ مَنْ يَرزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرضِ أَمَّنْ يَملِكُ السَّمعَ وَالأَبصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ » . ولو سألت عبدة الأوثان - عن خلق كلّ فرد من المخلوقات وكيفية تدبير أمورها فانّهم يقرّون بأنّ اللَّه وحده هو الخالق والمدبّر ! ! إنّ هذه الآيات القرآنية وأمثالها « 1 » من الشواهد الحيّة على التوحيد الفطري ، ومن الممكن أن تكون هذه الإجابة المتناسقة نتيجة للاستدلال العقلي أيضاً وذلك عن طريق برهان النظم ، ولكن بملاحظة أنّ المشركين العرب اناسٌ امّيون وبعيدون عن العلم والفكر والاستدلال ، فإنّ هذا التناسق في الإجابة يدلّ على أنّها كانت تنبع من فطرتهم وهم في ذلك

--> ( 1 ) العنكبوت ، 63 ؛ لقمان ، 25 ؛ الزمر ، 38 .